|
كاترينا وأخواتها
 كاترينا.... هل بقيت نقطة حبر واحدة لم تكتب عنها؟ وهل بقي لسان واحد في العالم لم ينطق باسمها؟ وهل بقيت مخيلة واحدة لم تبحر فيما خلفته بعد مرورها؟ ...... لست أكتب الآن عنها لأحلل ما قبلها وأثناءها وما بعدها..... لست رجل سياسة لأقول أنها تنتمي إلى حزب معارض للحكومة، ولست رجل اقتصاد لأقيّم أضرارها، ولا أرى نفسي رجل دين مؤهلا لأقول أنها عقاب إلاهي، ولست رجل أدب ولا فلسفة لأجعل منها أسطورة... أترك كل ذلك إلى أصحاب الشأن حتى لا أفسد عنهم منهجية تحاليلهم، وأخوض في الموضوع في الحدود المسموحة لي بها بالحديث عما عشته مع عائلتي من مشتقات الإعصار، إعصار كاترينا، المرأة الغيبية ذات القبضة الحديدية القاسية التي مرت على المنطقة التي أعيش فيها ليلة الثامن والعشرين من شهر أوت 2005... لا تأتي الأعاصير على حين غرّة، فأول ما يفعله علماء رصد الأعاصير في بداية كل موسم (من آخر شهر ماي إلى شهر نوفمبر) هو تسميتها بأسماء مؤنثة ومذكرة بالتداول حسب الترتيب الأبجدي بغض الطرف عن حدوثها أو عدمه ، وهذه قائمة أعاصير هذه السنة:
Arlene, Bret, Cindy, Dennis, Emily, Franklin, Gert, Harvey, Irene, Jose, Katrina, Lee, Maria, Nate, Ophelia, Philippe, Rita, Stan, Tammy, Vince, Wilma
فإن أحدثت إحداها أضرارا عند مرورها بالأرض فإن ذلك الإسم يلغى تماما من القائمات اللاحقة لأنه نذير شؤم.... ومنذ تكونها في المحيط الأطلسي تبدأ محطات الرصد في توقع مسارها اعتمادا على مقاييس علمية لم تخطئ في الغالب، ويقع تحذير السكان قبل ثلاثة أيام من مرورها على المنطقة. والمتعارف عليه هو أن لا يتهاون الواحد بالأمر إذا كان قدومها حتميا وخاصة إذا صدر أمر بمغادرة المنطقة. قيل لنا ذلك منذ التربص التوجيهي الذي شاركنا فيه أول ما وصلنا إلى لويزيانا... وكان الجميع يتحدث عن أن "أورليان الجديدة" New Orleans تنتظر إعصارا قويا من الدرجة الرابعة أو الخامسة لتمحي من الوجود بسبب وجودها تحت مستوى سطح البحر بسبعة أقدام أي قرابة المترين وبسبب وقوعها على ضفاف نهر المسيسيبي وبحيرة "بنشارتريْن" . لم أكن بمقدوري أن أتصور الموقف لأن بحرنا الأبيض المتوسط لم يكن ليسبب لنا هذا الرعب مهما وصلت قوة الريح، وكنت أقول دائما أن الريح هي الريح والمطر هو المطر و المهم أن لا يغادر الواحد منزله في أوقات العاصفة. لكن الجميع كان ينظر إلي نظرة الشفقة لما علموا أنه وقعت تسميتي بالجزيرة الكبرى (Grand Isle) . سألت البعض عن سبب هذه النظرة فبخلوا عن الإجابة وتهربوا من مصارحتي. قابلت ذلك بالتهكم عليهم وعلى ضعف شخصيتهم وإيمانهم. ولما وصلت إلى مقر عملي استرعى انتباهي أن كل المنازل مقامة على أعمدة خشبية مرتفعة مترين عن الأرض ،وفسرها لي أحدهم بأنها لحمايتهم من الفيضانات إذ أن المياه قد ترفع إلى ذلك الحد أو أكثر... كان ذلك الحديث خرافة بالنسبة لي ، فالطوفان وقع في عهد نوح عليه السلام ومن الصعب أن يحدث مرة أخرى ، وإن حدث فسيكون ذلك بعد انتهاء عقد عملي. هكذا كان تخميني...... مرت السنة الأولى بسلام وكان الجميع مبتهجا بمرور الموسم دون تعطل الدروس ودون الجلاء عن المنطقة.... في بداية السنة الثانية طلب منا التوجه إلى الشمال أو إلى الغرب لتجنب إعصار "آيفن"، وكانت وجهتي مع أفراد عائلتي وصديقي سليم بنّاصر إلى "لافايات" حيث فتحت لنا الآنسة أنيسة القلوبي شقتها وقضينا فيها ثلاثة أيام ثم عدنا فوجدنا أن الإعصار لم يخلف ما أشاعوه من توقعات وأنه لم يكن علينا المغادرة بل كان علي الانصياع إلى رغبة زوجتي التي نعتت الجميع ،بما فيهم أنا، بالجبن وبالفرار من ريح عادية جدا... ثم مرت السنة عادية جدا خالية من العواصف والأعاصير . نأتي إلى هذا الموسم.... أذكر يوما أصبنا فيه بالذعر بسبب تكون دوامة (tornado) وتوجّهها إلى المنطقة... والدوامات، على خلاف الأعاصير، تحدث فجأة وتمر بسرعة وتسبب دمارا هائلا بالمنطقة التي تمر منها... فإن كنت داخل سيارتك وفاجأتك إحداها فعليك مغادرتها لأنها ستكون ريشة في مهب الدوامة وعليك الاحتماء بالحفير المحاذي لجانبي الطريق ، وإن كنت في المنزل فعليك الاحتماء بالمكونات الداخلية للمنزل كبيت الاستحمام أو إحدى الخزائن... كنا في المدرسة فجاءنا نداء مدير المدرسة أن خذوا الاحتياطات الضرورية لضمان سلامة التلاميذ.... كان على الجميع أن يجلسوا تحت المقاعد بمحاذاة الجدار الداخلي للقاعة وكان ممنوعا على أي شخص التواجد في الرواق... لكني خرقت القانون وتوجهت إلى الإدارة لأعلم زوجتي بالأمر وأعطيها التوجيهات اللازمة للوقاية من الدوامة فكان في لهجتها شبه سخرية من هذا الخوف المفرط فيه... ثم عدت إلى القاعة بعد أن اطمأننت على بنتيّ.... انقطع النور الكهربائي وساد الصمت وعمت الحيرة، فقد صادف وقوع الدوامة ذكرى موت فتاة في إحدى الأحداث المماثلة....وتوالت الأنباء الفورية حول تقدمه نحو المنطقة وعلمنا أنه سبب أضرارا عديدة إلى بعض المؤسسات.... ووصلت الدوامة إلى المنطقة لكنها غيرت وجهتها إلى غير المدرسة، وعاد التيار الكهربائي ثم جاء الأمر بالعودة إلى العمل دون أن يحدث للمدرسة ما كان متوقعا... لكن أجزاء من المنطقة تضررت..... ولم يكن ذلك سوى من مفتحات موسم الأعاصير....
انتهى العام الدراسي وكان علي قضاء العطلة الصيفية بلويزيان مع العائلة، وذلك معناه أنني سأعيش موسم الأعاصير كاملا.... خلال السنة كنت أعتمد على زملائي الأساتذة ليعلموني بآخر أخبار الأعاصير ، فأنا لا أشاهد القنوات الأمريكية مهما كان نوعها ولا أسمح لعائلتي بمشاهدتها أيضا نظرا لما فيها من سلبيات منافية لأخلاقنا.... والآن كيف سأعلم بحدوثها؟ لم تطل حيرتي طويلا، إذ اقترحت علي إحدى الأستاذات أن أكتري إحدى شققها المجاورة لمقر سكناها حتى تتمكن ابنتها من الاختلاط ببنتي.. مع العلم أن هذه الأستاذة هي اليهودية الوحيدة في المنطقة وكنت أنا المسلم الوحيد بها، وكانت هي وزوجها يستلطفان ابنتيّ كثيرا ويرتاحان لعلاقتهما مع ابنتهما الوحيدة..... لم أتردد ووافقت.... وفي انتظار أن تهيء لي الشقة طلبت منها أن تعلمني إن تكون إعصار يهدد المنطقة....... لم أنتظر طويلا ليحدث ذلك ... جاء إعصار "سندي" ودخل خليج المكسيك متوجها إلى السواحل الجنوبية للولايات المتحدة، وصدر نداء بالجلاء الاختياري لأن الإعصار سيلامس المنطقة بأطراف جناحه فقط ، فقررنا عدم المغادرة... ليلة الإعصار شعرنا بهبوب الريح ونزلت أمطار غزيرة لم تخلف أضرارا جسيمة لكنها تسببت في تحطم فبّة حماية الفراشات وقليلا من جوانب المنازل القديمة...... وبعدها بأسبوع جاء إعصار "دنيس" وجاء النداء بالمغادرة الاختيارية أيضا فقررت عدم المغادرة رغم إلحاح صديقي جمعة بأن لا أبقى في المنطقة.... ليلة الإعصار، انقطع النور الكهربائي مبكرا وبدأ الطقس في التقلب بين ريح ومطر .... رغم ذلك دعوت الجميع للنوم فنمنا... لكن ما فتئت أن نهضت وتبعتني زوجتي ثم بنتيّ على وقع الزوابع الرعدية وومضات البرق الخاطفة المخيفة وقوة الريح التي حاولت اقتلاع أركان المنزل.... ثم حدث هدوء مفاجئ وصمت رهيب... فظننت أن الأمر انتهى لكني عرفت بعد ذلك أنه ليس سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة حيث عاد الطقس إلى التقلب من جديد وكنا جميعا ننظر من خلال النافذة إلى ما يحدث في الخارج... كان وقوفنا بجانب النافذة من أفدح الأخطاء إذ كان من الممكن أن يقتلعها الريح فتتهشم على وجوهنا... لكن حب اطلاعنا طغى على خوفنا على حياتنا..... عند انبلاج الصبح خرجت أتفقد الأضرار ... اقتلعت الريح جزءا من الجهة الخلفية وكادت تدخل إلى غرفة نومي من خلال الخزانة الحائطية ، كما حطمت بعض الأخشاب الساندة للبناية وأسقطتها على إحدى الأنابيب فانقطع الماء..... والمهم عندي أن سيارتي لم تمسّ بأذى ..... أصلحت عطب الماء لكن كان علينا أن ننتظر ثلاثة أيام لعودة التيار الكهربائي....
إن كيدهن عظيم
وأنا أحرر المقال في انتظار نشره، لم تطق "الإعصارة" "ريتا" صبرا وأرادت أن تفعل ما فعلته كاترينا بل أرادت أن تكمل ما لم تتمكن كاترينا من عمله في الجهة الغربية من لويزيان وفي جنوب تكساس، فأية قوة يمكن أن توقف ثورة امرأتين غاضبتين: إن كيدهن عظيم
يوم الجمعة 25 أوت 2005 على الساعة الثانية والربع ظهرا تقريبا فاجأني نداء مدير المدرسة بعدم تكليف التلاميذ بتمارين منزلية وبضرورة أن يترك كل تلميذ أدواته التي استعارها من المدرسة في قاعة الدراسة ثم قال "لا ندري ما سيفعله هذا الشيء المجنون"... إلى حد ذلك لم أفهم شيئا مما يعنيه حتى شرح لي لأحد التلاميذ أن إعصارا قد يمر من المنطقة... بعد لحظات دخلت علي الأستاذة "تينة كالبابر" ونصحتني بفصل الوسائل الإلكترونية عن التيار الكهربائي... علمت حينئذ أن الأمر ليس هزلا وغادرت المدرسة مع بنتيّ وهرولت نحو الأنترنت لأتحقق من الأمر عن قرب... وتحققت من أنه سيمر على المنطقة لا محالة... لم يأتنا الأمر بإخلاء المنطقة يوم السبت وعاش الجميع على أمل تدخل قدرة إلاهية لإبعاد الإعصار أو على الأقل لإضعافه... لكن الأمل تحول إلى يأس وأيقن الجميع أن ساعة تحقق التنبّؤ بغرق أورليان الجديدة قد حانت وأن الجزيرة الكبرى ستتعرض إلى دمار شامل شبيه بدمار "باتسي" سنة 1969. أسرع الجميع وأنا من بينهم إلى محطة البنزين للتزود بالوقود الكافي، وقضينا الليلة نختار ما سنحمله معنا... زوجتي تذكرت حالة الرعب التي عاشها الجميع في السنة الفارطة فكانت غير مقتنعة بما سنفعله ونصحت بعدم المغادرة، لكن صوت أخي جمعة يأتيني من "ميشيقن" يلحّ عليّ أن أغادر إلى شمال لويزيان واقترح علي أن أتوجه إلى حيث يقطن هو لأقضي وقت الإعصار معه. كانت فكرة جيدة لكني لم أكن أثق بسيارتي لتتحمل سفرة طولها ألف ميل تقريبا ولم تكن لدي الثقة في نفسي لأقطع كل تلك المسافة مع عائلتي دون أن أتوه بين الجسور والطرقات السيارة كعهدي بنفسي دائما في السفرات الطويلة... نمنا بعضا من الليل ونهضت على إيقاع مطر هو أشبه بتدفق الماء من أنبوب توزيع مياه مكسر.. وشاهدت المياه قادمة من جهة البحيرة كاسحة الطريق في الشارع الذي أسكنه... شاهدت زوجتي ذلك فرأيتها تقتنع بضرورة المغادرة.. نهض الجميع على الساعة الخامسة وحزمنا أمتعنا وغادرنا.... كنا اتفقنا على التوجه إلى "رايسلاند" حيث اقترح علينا أحد أصدقاء ابني وجدي أن نلتجئ إلى منزله لقضاء مدة الإعصار عنده، والواقع أن العديد من الأصدقاء من أبناء المنطقة ومن الأساتذة في مدرستي أبوا إلا أن يطمئنوا أن لدي وجهة معينة. كما سلمتني صاحبة المنزل هاتف ابنتها الجوال لأتمكن من القيام ببعض المكالمات بعد الإعصار.... كنا نعلم أننا لن نجد المنزل في نفس الحالة التي تركناها عليه فكانت ابنتي تأخذ صورا للمنزل وللحارة.... طوال الطريق كنا نشعر بازدياد قوة الريح وكنا نلاحظ جو الحزن الذي بدا لنا من خلال الغيوم المتراكمةعلى مدى البصر.... وصلنا المنزل المقصود فاستقبلنا صاحبه بحفاوة وكرم ظننته انتهى مع زمن حاتم الطائي... ناداني ليعلمني عن كيفية تقسيم المنزل فكان اقتراحه أن يخصص غرفة لي ولزوجتي وأخرى لابنتيّ وأخرى وسينام هو ووجدي وشخصين آخرين فتح لهما المنزل أيضا في قاعة الجلوس.. فرفضت ذلك وطلبت منه أن يخصص لنا غرفة واحدة فقبل بعد إلحاح مني، ثم رأيته يجهز الغرفة التي خصصها لنا بما يوفر لنا الظروف المريحة للإقامة، ثم غادر المنزل ليأتي بمواد غذائية متنوعة كي نستهلكها فطلبت منه أن لا يهتم بذلك إذ يكفي أنه فتح لنا منزله... وسرعان ما أصبح الجو عائليا حميما بين المقيمين.. كان صديقي جمعة بن حسين يتابع تحركاتي بالهاتف ويشدد على أن الأمر خطيرجدا... لم يكن بيدينا إلا الانتظار.. أثناء ذلك كنت أتابع التغير الرهيب للطقس.. شاهدت سحابا لم أر مثل تراكمه من قبل وتحسست التدرج الذي مر به الريح وتابعت تفاعل الأشجار مع كل ذلك... عند قدوم الليل أغلق صاحب المنزل النوافذ والأبواب بالواقيات الخشبية الإضافية المخصصة لهذه الظروف.. نمنا على إيقاع أولى خطوات الإعصار... ودفعَنا قلقنا للنهوض باكرا جدا لنعيش أوج قوة الإعصار فعرفنا جميعا المعنى الحقيقي للريح من خلال حدة درجة زاوية ميلان أغصان الأشجار، وعرفنا جميعا المعنى الحقيقي للمطر الذي أفاض الخندق المحاذي للمنزل... لم يكن ينزل خيوطا كما اعتدنا عليه في وسطنا بتونس بل كان ينزل في شكل تدفقات غاضبة.. لكن، والحمد لله، لم يقع لنا أي ضرر سوى أن التيار الكهربائي انقطع وهو أمر طبيعي منتظر... وفّر لي صاحب المنزل مذياعه الصغير ففتحته ناشدا أخبارا عن أورليان الجديدة وعن الجزيرة الكبرى فكانت أخبارا رهيبة مخيفة.. غرقت أورليان الجديدة بسبب تحطم السدود، تكسرت العديد من الجسور ومن بينها أطول جسر في الولايات المتحدة الذي يقطع بحيرة بنشنترين، غرقت المناطق الساحلية الشرقية للويزيان في 20 قدما من الماء... مر الإعصار من الجزيرة الكبرى وحطمها وحطم الجسر المؤدي إليها... العديد من السكان بأورليان الجديدة لم يلبوا نداء عدم المغادرة فحاصرتهم المياه، وقع نقل العديد منهم إلى الملعب المغطّى لكنه تضرر وتحطمت أجزاء عديدة من سقفه فأصبح في حد ذاته خطرا على اللاجئين، وصلت أنباء بتعرض بعضهم إلى العنف والسرقة، وصلت أنباء إلى أن بعض العصابات انتشرت أثناء الإعصار ونهبت المغازات والمحلات... كانت إذن أنباء رهيبة ففضلت إغلاق المذياع والتريث قليلا حتى يقع التثبت من الأخبار.. حاولت الاتصال بعائلتي في تونس وبأصدقائي في أمريكا لكن الهاتف لا يستجيب... مرّ اليوم بطيئا، القلق يساورني حول ما أصاب المنطقة وتبعات ذلك... احتمال أن تكون الجزيرة الكبرى قد دمرت وارد جدا... وإن حصل ذلك فإن تواجدي مع العائلة هنا يصبح غير ذي فائدة وعليّ التخطيط للعودة إلى تونس....جاءت أنباء تقول أن الإعصار مر فعلا من الجزيرة ودمّر العديد من البنايات لكن المدرسة بقيت صامدة.. طمأنني ذلك نوعا مّا حول مستقبل إنهاء عقد عملي بلويزيان.... عند المساء كررت محاولاتي للاتصال بالعائلة والأصدقاء... كنت أنتقل من مكان إلى آخر بحثا عن موجة شبكة الاتصال دون جدوى فأخذت كرسيا وصعدت عليه وأطلقت يدي عاليا وطلبت رقم صديقي جمعة بن حسين فسمعت صوته... لم أغير مكان يدي حتى لا تضيع موجة الاتصال وبقيت أخاطبه وأطمئنه على صحة الجميع... إثر ذلك حاولت الاتصال بالعائلة فلم أفلح رغم استعمالي نفس الطريقة... بعد يومين جاءني زميلي سليم بنّاصرقادما من "لافايات" فطلبت منه أن يتصل بالعائلة في تونس من لافايات ويطمئنهم عن حالة الجميع ففعل... في اليوم الرابع بدأت بعض المصالح تفتح باحتراز شديد خوفا من السرقة.. رحت متطفلا إلى محطة البنزين الوحيدة المفتوحة فوجدت نفسي في طابور طويل من السيارات ينظمهم عدد كبير من رجال الشرطة... بعدحوالي ساعة ونصف جاء دوري... لم يعد بإمكان الواحد أن يستخدم بطاقة الدفع ولا أن يستعمل المضخة بمفرده بل عليك انتظار العامل الذي يظل يراقبك حتى تدخل إلى المحل لدفع المعلوم إلى المتصرفة.... علمت حينئذ أن الوضع صار أقرب إلى البدائي منه إلى العصري .... بعد ملء الخزان كان علي أن أشتري بعض المواد الغذائية من المغازة التي كانت مجاورة للمحطة.. أمسكت ابنتي غادة من يدها ورحنا مترجلين ... شاهدنا من بعيد طابورا من الناس.... استفسرنا الأمر فقيل لنا أنه عليك أخذ مكانك في الصف وحين يصل دورك تسرد على العاملة ما تحتاجه وهي بدورها تعطي الإذن إلى بقية العمال ليوفروا لك ذلك ، مع العلم أنك لا تستطيع أن تشتري أكثر من كيس واحد من الثلج حتى يتمكن الجميع من نيل نصيب يستعمله لحفظ بعض المواد الغذائية ... حين يقع تجهيز طلباتك تسمح لك العاملة بالدخول قصد دفع المعلوم... مررت بكل تلك المراحل وأخذت الوصل وغادرت المغازة، وعند تثبتي من المشتريات لاحظت أن القابضة لم تحتسب ثمن الماء الذي اشتريته فعدت وناديت العاملة من باب ثان وطلبت منها أن تأخذ ثمن الماء، ومن شدة استغرابها وربما من شدة صدمتها ظنت أنني أطالب باسترجاع ثمن الماء وبدت على وجهها علامات "النرفزة" لكنني هدأت من روعها وشرحت لها الموضوع فلم تصدق ما سمعت وأخذت النقود وراحت تردد عبارات الشكر وتناهى إلى مسمعي إعجاب المصطفين أمام المغازة فقالت إحداهم"لو كنت مكانهم لأعطيته الماء مجانا" لكني افتعلت عدم سماعها، ثم عادت العاملة وقالت لي بكل ثبات هذه المرة"شكرا على نزاهتك".. فأخذت بقيتي من النقود وعدت إلى المنزل وكانت ابنتي طوال الطريق تلومني على أني فعلت ذلك رغم محاولاتي العديدة لإقناعها... وتسلمت زوجتي ما جلبته واستعدت لإعداد طعام ساخن على المشواة مستعملة الفحم والوقود ... كل شيء تحول إلى الطرق البدائية في عالم طغت عليه وسائل السهولة منذ عقود....
الدرس
ثم مرت فترة الانتظار والتوقعات وجاءت ساعة الحقيقة... على الجميع أن يلمس بحواسه الخمس آثار الاعتداء الطبيعي... علمنا أنه من الممكن الدخول إلى "قرانديل" ولكن علينا أن نقطع الجسر مترجلين لأنه أصيب بانزلاق في إحدى أجزاءه فلم يعد صالحا لمرور السيارات... أخذت زوجتي وتوجهنا نحو المنطقة وكانت رحلة مثيرة... لم نشعر بطول الطريق نظرا لما شاهدناه من أهوال الدمار ... أشجار عظيمة صرعى وعلامات الإشهار الحصينة مقطعة الأوصال والمنازل في أشكال تحطّم مختلفة، فإما هي بلا سقف أو بلا جوانب أو هي أشباح منازل حيث لم يبق فيها سوى الأعمدة الخشبية التي كانت تحملها... الطريق كانت شبه خالية من السيارات والمحلات التجارية مغلقة .... كانت آثار الدمار تتوضح أكثر كلما اقتربنا ألى المناطق الساحلية وتحديدا إلى "قرانديل". وصلنا إلى الجسر فركنت سيارتي ونزلنا وغبنا في عالم الاندهاش من هول ما رأيناه.. بعض ما كنا نعرفه من محلات مسح تماما ولم نعد نرى غير آثار بنايات... قطعنا الجسر وكان معنا بعض أهالي المنطقة ... لم تعد الابتسامة المتعودة ديباجة للقاء بل صارت إشارة الامتعاض والألم والتأسف غالبة على الوجوه والعبارات... كل ذلك وزوجتي ما زالت على أمل أن منزلنا بخير وأنه لم يتضرر ... سرنا قرابة 5 كيلومترات... الأخشاب تداخلت فلم تعرف خشب هذا المنزل من ذاك، والأمتعة متناثرة على جوانب الطرقات ، والقوارب فقدت وجهتها فاحتلت أجزاء من الطريق الرئيسية .... لم ننتظر حتى نصل إلى المنعرج العادي الذي يؤدي بنا إلى المنزل بل سرنا بين أكوام الأخشاب والأمتعة والأثاث المتناثرة ... لم يكن شارعنا مختلفا عن البقية ومن بين ما أضحكنا ألما منزل فقد جوانبه ولكنه لم يفقد الأثاث ال1ي يحويه فأنت تستطيع أن ترى بيت الاستقبال والمطبخ وغرف النوم كاملة... وقفنا أمام منزلنا في اندهاش... صحيح أنه فقد نصف درجه الأسفل وبقي النصف الآخر معلقا، ولكنه لم يتضرر كبقية المنازل... التفتت فرأيت قدرا كبيرة فاستعملناه للارتقاء على النصف المعلق من الدرج، وفتحنا الباب فوجدنا غرفة الاستقبال والمطبخ سليمين، لكننا اكتشفنا أن الجانب الخلفي من المنزل تطاير وكذلك السقف في غرفتي النوم... لم أستطع الدخول من باب الغرفة الثانية فصعدت على السقف ونزلت مستعملا أخشابا صمدت في وجه "كاترينا"... تفقدنا الأثاث وكنا نشعر بالرضا وبأننا لم نتعرض لخسارة كبيرة .... بقينا حوالي نصف الساعة ثم عدنا ... قبل الوصول إلى السيارة وقف أحدهم بجراره وعرض علينا الركوب ليوصلنا إلى الجسر... لم يكن لنا خيار آخر فركبنا دون أن أنسى أن آخذ صورا لأهم المشاهد....
كدت أشك في قوة الولايات المتحدة، وفي قدرتها على مواجهة هذا الموقف .... لكنني لم أنتظر طويلا لأشاهد كل الشركات والمنظمات والجمعيات تتحرك للمواجهة.... الجانب الفدرالي تعهد بالمساعدة الاجتماعية الفورية لكل من تعرض إلى أية خسارة.... الجانب الاجتماعي وفر بطاقات مؤونة حسب عدد الأفراد في العائلات المتضررة... الصليب الأحمر ساهم بمساعدات عينية ومالية ... الكنائس امتلأت بالأثاث والأمتعة والحاجيات الأساسية ... شركات الكهرباء والماء من مختلف المقاطعات الأمريكية تسارعت للعمل ليلا ونهارا لإصلاح شبكات النور والماء والغاز... وأعلنت الوكالة الفدرالية للطوارئ بأنها ستتولى دفع خسائر الأفراد في ممتلكاتهم الشخصية وستوفر لهم منازل مؤقتة .... وعادت الحياة تقريبا إلى طبيعتها رغم بقاء آثار الألم على الوجوه.... وبهذا الجرح الأليم تعلمت الولايات المتحدة أنه لا يجب الاستخفاف بمثل هذه الكوارث الطبيعية... وتعلمت أنا على الأقل أن مجتمعا يفني جهده في تقدم بلاده لا تطول حيرته في مواجهة أية أزمة تواجهه |